فوبيا

التكميم ، لاغيره ، مصيبتنا . تكميم الأفواه ، قتل الحريات ، التشكيك ، عقدة المؤامرة ، وبالتالي ، الحل الأبسط والأكثر سهولة ، جز اللسان ، سحل الإنسان

«ميونخ» يفتح السؤال من أجل السلام والهوية


 
«ميونخ» يفتح السؤال من أجل السلام والهوية
كتب - حسين الخباز 
وجد المخرج الكبير ''ستيفن سبيلبيرغ'' نفسه محاصراً بالكثير من الأسئلة التي تتطلب منه أن يقف موقفاً عادلاً مع الإنصاف، طالما أنه اشتغل مؤخراً على مشروع يستهدف الصراع البشري وتكوينه الأيدلوجي الذي يتعلق بسؤال الهوية وحق الأرض، مُنظّراً في ذلك مستقبل السلام بين الصراع الإسرائيلي على الأرض والسلام أولاً وبين الحق الفلسطيني على الهوية ثانياً، وقد وجد نفسه في المقابل أيضاً بين سؤال سياسي محض يتعلق بالطريقة الدموية والغامضة دائماً التي يستخدمها الموساد الإسرائيلي في داخله كتنظيم وخارجه كاشتراك بعض الدول الأوربية في هذا الصراع، وبين الطريقة التي يلجأ إليها الفلسطينيون في المطالبة بحقوقهم، وعندما اتفق مع نفسه أن يكون السؤال سؤال سلام اختار لنفسه أن يخصّب الأنفس ويفككها من خلال عرض حادثة مقتل أحد عشر رياضياً إسرائيلياً في اوليمبياد ميونخ 1972.
حتى يجيب على هذا السؤال، كان يعلم جيداً أن القضية قضية ثأر وأرض وهوية، وأن الجميع ينتظر منه أن يفتح الستار على مخالفات واضحة من قبل سياسات العالم أجمع، وأن لا يقف بالضرورة مع الفلسطينيين إذا ما أراد أن يجعل السلام سؤاله، لأن الوقوف على سؤال الهويات يحتاج إلى جواب واحد ولا يمكن في أية حال أن يقبل هذا الجواب فرضيّة معينة، حيث أن السلام المشترك لا يمكن أن يكون مجدياً إذا ما كان الصراع بين قطبين يختلفان في الديانة والتكوين وحتى الأعراف والقيم.
وعندما قرر أن يغامر ويبدأ، كان قد قرأ كتاب ''الانتقام'' للصحفي الكندي ''جورج يوناس'' الذي يسلط الضوء على شهادات أحد الناجين من هذا الاختطاف، وبعد أن استقر على فكرته ووجدها صالحة للتنفيذ، استعان بصديق دربه ''جينيز كامنسكي'' في التصوير، هذا الصديق الذي لم يستطع أن يستغني عنه في معظم أفلامه، أما الموسيقى فقد كانت للموسيقار العريق ''جون ويليامز'' الذي بدأ يسير إلى المجد بخطى ثابتة بعدما حصل على أوسكاره الخامس هذا العام، أما السيناريو وهو الأهم فقد كتبه'' سبيلبيرغ مخرج هذا العمل بالتعاون مع أريك روث واليهودي توني كوشنر'' بطريقة السيناريو المقتبس من كتاب''جورج يوناس، أما البطولة فقد كانت للنجم الموهوب ''إريك بانا'' بدور إفنر.
صلاة مستعجلة
دائماً ما كان يصر''سبيلبيرغ '' أن فيلمه هذا هو رسالة وصلاة من أجل السلام، وفي الوقت نفسه كان يرى أن السلام هو حالة مستحيلة الحصول، طالما أن هدر الدماء لا يتوقف، ويقف دائماً عند مصطلح السلام بأرجل نازفة وغير قابلة للمضي من أجل تحقيق معادلة ترضي الطرفين أو حتى أن ترضي طرف واحد، لأن صورة الشرق مازالت غير ثابتة عند الغرب وهي أيضاً لست مطمئنة لوجود الإرهاب، وفي المقابل هناك عدم ثقة واضحة في علاقة الفلسطينيين بالإسرائيليين، ما يمكن أن نفسره باستحالة المصالحة والسلام من أجل التخلي عن الأرض من الجانب الفلسطيني، وعدم قبول الجانب الإسرائيلي بالتخلي عن حقه التاريخي والقومي في القدس، ومن هنا يبدأ المخرج بعرض ارتباكه وتخوفه من ضياع هوية هذه الصلاة، لأنه طالب بسلام جديد بحجة عدم توقف الدماء، وهذا مالا يمكن أن يقبل به أحد الطرفين، والأمر الآخر الذي يقف في عائق الصلاة، هو عدم فهم ''سبيلبيرغ'' الكافي لطقوس ومبادئ الجهة الفلسطينية من ناحية المبادئ الدينية والقومية بالذات، فلا أعتقد أنه كان يعلم أن الجهة الفلسطينية ترى في المواجهة هدف أسمى من هدف السلام - من ناحية دينية - ومن ناحية قومية أيضاً، ولا أعتقد أنه كان يعلم أيضاً أن المواجهة كانت بدافع الأصالة والكرامة و النشأة الدينية التي لا تتوافق شكلاً ومضموناً مع اليهودية، ومن هنا بدأ عدم التكافؤ الذي كان العائق الأكبر لعدم اقتناع المشاهد بالجواب وبالأمل.
ضوء الكلام
لا يمكننا أن نفهم الفيلم بأنه استعراض لقصة وفد رياضي تم قتله بطريقة بشعة في العاصمة الألمانية ميونخ، ولا يمكننا أن نعتبر الفيلم هو توثيق فني لحدثٍ مر عليه ثلاث عقود، ولا نستطيع أن نعتبره أيضاً وجهة نظرة سينمائية، لأننا لا نستطيع أن نخفي اندهاشنا من القيمة الفنية والبصرية التي يقدمها الفيلم، فقد كان الحوار متماسك لحد كبير لولا بعض الثغرات التي جعلت المشاهد يتوقف عن الغوص في رموز الكلام، ويعتبرها مجرد رقعة بصرية لا أكثر، ولا يمكننا أيضاً أن لا نتأثر إيجاباً من الإضاءة الخفيفة التي كانت نواة نجاح الصورة في الفيلم بلا شك، وحتى الديكور رغم صعوبة تطبيقه لاختلاف مناطق التصوير بين تل أبيب وأمريكا وفرنسا وإيطاليا وبيروت فقد كان مقنعاً لحد كبير، والملابس هي الأخرى كانت موفقة وواقعية وسبعينية جداً، أما الموسيقى فهي تأتي فجأة وتقوم بواجبها على أتم وجه وتذهب، أما الممثلين فقد كان يتحركون بخفة عالية وبتوتر ملحوظ كان له الدور الكبير في نجاح الفيلم، أما البطل ''إيرك بانا'' فقد كان مشدود الذهن طيلة أحداث الفيلم وكان اليد الضاربة لسبيلبيرغ، ماعدا ذلك أن الممثلين لم يحالفهم الحظ في الانسجام الواضح والترتيب الذي نقصد منه ربط العنصر النفسي بالتحركات الجسدية وربطها بالملامح الخارجية للجسم، ونلاحظ أن ذلك كان واضحاً في مشاهد الشك الأخيرة حينما شك ''إفنر'' ورفاقه بعدم جدية الموساد في تأمين ضمانات تكفل لهم حق العودة للوطن وتعطيهم حق التعامل بشفافية مع هذه القضية، ولكن هذا لا يعني أن ''إفنر'' لم يكن مبدعاً في العديد من المشاهد وبالخصوص في المشاهد التي تربطه بنفسه وبزوجته وبابنه الذي سافر عنه وهو في بطن أمه، ووقوفه المستمر أمام متاجر الأدوات المنزلية التي تعود بذاكرة إلى أمنياته البسيطة، وهي أن يعيش حياة تقليدية بين زوجة محبة وطفل صغير.
إفنر ''إريك بانا''  كان علامة فارقة ومحورية من ناحية سردية وفنية في نجاح الفيلم، هذا النجم المغمور الذي لا يحمل سيرة طويلة ولم يخض تجارب صريحة مع أفلام فارقة من هذا النوع، استطاع أن يقدم ما يريده ''سبيلبيرغ'' منه وبجداره، وقد قام بأدوار تحسب في رصيده الفني في هذا الفيلم، ولكن هذا يعني أن ''إريك'' كان الورقة الأصح لهذا الدور، وكان اختياره موفق لهذا الدور، وربما ما يشفع ''لسبيلبيرغ'' اختياره لهذا النجم الموهوب هو عدم احتياجه لنجم يخطف من سؤاله وصلاته ورسالته أي ضوء، ومع هذا كله، فإن ''أريك'' كان اختيار صحيح لهذا الدور، ولكننا لا نستطيع أن نقول أنه الأنسب.
موت الأمـل
من تداعيات الدم، أصبح المخرج يؤمن بأن النزاع لا يكمن في قضية ميونخ فقط، وأن هناك  مصادر عديدة وقديمة في هذا الصراع، وقد أقر بعد ذلك أن قضية ميونخ لم تكن بداية حقيقية للثأر بالدم، وربما هي من أهم الصراعات التي اكتسبت هالة إعلامية واسعة، وأن الحوار عنها والتفكير فيها لا يعود بالنفع على كلا الطرفين ولا يخدم السلام، فإن مات فلسطيني فسوف يموت إسرائيلي في المقابل والعكس، لأن الهوية والقومية قد أخذت مأخذها، ولا يمكن لأي طرف أن يتنازل عن حقه مهما كان ثمن ذلك، ومهما توطدت علاقة الطرفين بالبعض فسوف يأتي اليوم الذي سيقتل الفلسطيني فيه الإسرائيلي والعكس، فقد ضرب الفيلم مثالاً واضحاً من خلال الحوار الذي تمّ بين الشاب الفلسطيني ''علي'' وبين إفنر'' في ذات لحظة  انكسار وضعف، قال علي(أنت لا تعرف معنى أن تتجرد من وطنك، وأن تبقى بلا مأوى) فيرد عليه ''إفنر'' بعاطفة قوية لا يمكن أن تكون بين فلسطيني اعتاد على الأصالة و الكرامة العربية وتربى تحت ضلال أشجار الزيتون، وبين إسرائيلي قد يكون أجداده من أصل أمريكي أو من أصل ألماني يهودي، ورغم كل هذا التسامح والحب يقوم ''إفنر'' ورفاقه بقتل ''علي'' عندما تدور مواجهة إطلاق الرصاص الحي بين ''إفنر'' و''علي'' ، فيقع الأخير على الأرض وسط أنظار ''إفنر'' الحائرة.
أحد عشر رياضياً
ميونخ، يبدأ بالانتقام وينتهي بالسؤال، أو هكذا أنت تعتقد أو هكذا يعتقد الفيلم والمخرج، هو قصة أحد عشر رياضياً إسرائيلياً تم أخذهم كرهائن في اوليمبياد ميونخ ,2791 وقتلهم بعد صراع تم بين القوات الألمانية والإسرائلية في مطار العاصمة ميونخ أدى إلى مقتل الرهائن عن طريق التسرّع والتردد من كلا الطرفين، ولكن القصة لا تنتهي عند هذه النقطة، ذلك أن بعض من خططوا لهذه العملية مازالوا أحياء، ليقرر الموساد الإسرائيلي وبطريقة متسترة بالانتقام، بإدارة رئيسة الوزراء السابقة ''جولدا مائير'' التي لم تقبل بإعطاء ضمانات للخاطفين في ذلك العام، وبمساعدة إبن حارسها الشخصي ''إفنر'' مع ستة أشخاص تم اختيارهم لأداء هذه المهمة.
عندما تلتقي المجموعة في أوربا لتنفيذ هذه الانتقامات، يصوّر لنا المخرج الحالة الفطرية التي يأخذ فيها ''إفنر'' الأمور باعتباره الوحيد الذي يرجع مولده لإسرائيل، أما البقية فهم يهود قادمون من جنوب أفريقيا وألمانيا، ليوسع المخرج الدائرة حول علاقة اليهود بالألمان، وكأنه يسأل ويستنكر اشتراك الألماني مع الإسرائيلي في عملية انتقام لأبرياء فلسطينيين ربما، فما الذي يدفع الإسرائيلي إلى التعاضد مع الألماني وهم من قاموا بإحراق آلاف اليهود في عهد ''هتلر''. ولم يكتف عند هذا الحد عندما ورّط الاستخبارات الفرنسية في هذا الانتقام وبدور كبير للغاية، مع وجود متحالفين من إيطاليا وأمريكا ومافيا العالم ضد الفلسطينيين،  ولو أنه كان يرجح هذا الاشتراك بسبب المصالح الدولية التي تربط إسرائيل ببقية دول العالم وبأوروبا بالذات.
هل مات السلام؟!
وزّع المخرج مشاهد الاختطاف والقتل في أربعة مشاهد متفرقة على طريقة (الفلاش باك) وقد كان التوزيع مدروس بشكل متقن للغاية وبعناية فائقة، ولم يكن توزيعه بشكل عشوائي، لأن كل مشهد كان يليه أو يسبقه حدث مهم كان سبباً لهذا القتل، فإما أن يسبق المشهد لحظة ضعف وانكسار وتردد من قبل ''إفنر'' أو إما أن يلي المشهد لحظة عاطفية جنسية، فالمخرج يريد أن يبرهن أن الحالة المزرية للسلام والقتل كان سببها ممارسات خاطئة وبسيطة تقف عائقاً في حصول السلام، وأن السلام هو مفتاح للدماء أصلاً، فربما يكون السلام وتداعيات الهوية هما سبب كل هذه الدماء، وربما نحن الآن نضع السلام في موقف المتهم أو موقف المستسلم لأنه كان الهاجس الخاطئ في هذه القضية، ولا يمكننا في المقابل أن نبارك ونزكي مشروع ''ستيفن سبيلبيرغ'' على أنه مفتتح حواري لقضية السلام، ولا نستطيع أن نثق في - حياديته - لا لأنه (من أصول يهودية) ولا لأن تجربته هي التجربة الأولى الصريحة التي تتحدث عن السلام والمعايشة والهوية بين فلسطين وإسرائيل، وإذا كنا سنعترف في مقدرة هذا المخرج وهذا النص وهذا السؤال من نواحي فنية، فإننا لا نستطيع أن نبرهن نجاح الفيلم على أرض الواقع، فهل ''سبيلبيرغ'' استطاع أن يضع أي سؤال أو استطاع أن يضع إجابة ولو بسيطة لهذا السؤال؟ !! لا أعتقد.
سينماتك - الوطن  البحرينية في 26 أبريل 2006


أضف تعليقا